الإفضاء من الخمسينيات إلى الستينيات فيما يخصني كان مثل الإفضاء من منطقة شبه غائمة – أو معتمة - لبعدها في ذاكرة الطفولة، إلى منطقة مضيئة، فقد كنت في العاشرة عندما حللت في بداية الستينيات. وقد كانت مرتبطة بالانتقال من مدرسة الغزالة النموذجية – لأن أحداً ما - وربما كانت مديرتها - قررت أن لا مزيد من تدريس أطفال المرحلة الدراسية التالية للروضة – وبهذا، متحصلاً على صحيفة انتقالي من السنة الرابعة الابتدائية إلى الخامسة بالترتيب الأول، كان علي الذهاب إلى مدرسة شارع الزاوية من جديد. أنا أذكر أنني تحصلت على إعجاب مدرستي في امتحان رواية قصة قرأتها. كان بالفصل مدرسة أخرى حضرت الامتحان، ولا أدري لماذا، وكلتا المدرستين أظهرتا لي استحساناً فرحت به. وقد تهيأ لي أن هذا كان بين ما أسهم في حصولي على الترتيب الأول، بعد أن تداولت مع تلميذ مصري وآخر جزائري ترتيبات التفوق، وكنت أحصل عادة على الترتيب الثاني أو الثاني المكرر. وقد حزنت لمغادرة هذه المدرسة التي وجدت فيها نفسي، وأحسست بود ولطف، وفسحات للعب في ساحتها، ومستوصف عالجني، وقع هذا في أهم حادث مر بي خلال السنة الأولى الابتدائية بسقوطي من على كرسي صغير، أدى إلى نزف من رأسي، كان موضع استهوال من إحدى الطفلات، روته لأسرتها التي نقلته بدورها إلى والدتي. وكنت كثيراً ما أجلس إلى جوار إحدى الطفلات، فلم يكن ثمة مقعد صارم لجلوس أحد، وقد نتحدث أو نغني معا. غنيت في صحبتها نشيد الجزائر الحالي ( قسماً بالنازلات الماحقات، والدماء الزاكيات الطاهرات، والبنود اللامعات الخافقات، في الجبال الشامخات الشاهقات، نحن ثرنا فحياة أو ممات، وعقدنا العزم أن تحيا لجزائر ) عند هذا الموضع كان علي أن أقلد صوت القطع الموسيقي بفمي ( تِش ) قبل أن نفضي إلى ( فاشهدوا .. فاشهدوا ) فابتسَمت وهي تسألني ( تِش ؟! ) وهذا أضحكني وأشعرني بالخذلان. وأذكر ايضاً تلك التي جاءت بأحسن أص به نبتة، لأن نبتتها كانت قد نمت بحيوية واخضرار مميزين ظلا في ذاكرتي، حتى أنني أستعيد بانتباه - على فترات - منظرها البراق. وكذلك حفل زواج ولي العهد، الذي أذكر الإعداد له، فمرتادو مدرسة الغزالة لابد أن تصلهم أنباء من هذا الوسط، بما في ذلك زيارة الملكة فاطمة لطرابلس، واستضافتها في بيت الوالي، وهي زيارة أدت إلى تعارف أعمق، أدى إلى اقتراحها على الملك أن يخطب إلى هذه الأسرة. وولادة أول طفل لولي العهد، وحلوى وزعت علينا، وانخراطنا في أسبوع للمرور، وقيامنا بتنظيمه داخل المدرسة ونشاطنا خارجها بمسافة بسيطة، ووقوفي في منطقة معشبة تقع أمام المدرسة بعد اجتياز الشارع المواجه، أثناء مغادرة الأطفال المدرسة، وأنني كنت معروفاً بالاسم من المديرة ، ولم يكن أكثر الأمور مجلبة للغبطة عندي أن أسمع صوتها من داخل مكتبها بينما أكون في ساحة المدرسة لاعباً مع بعض الزملاء، وهي تخصني منادية بأن أهديء من الضجيج خارجا، ولكن أثر الحضورالشخصي بقي راسبا ومؤثرا، ووفود تلاميذ مدرسة أخرى للعب مع مدرستنا، وموكب الكرنفال الذي الذي أقيم بمناسبة عيد الطفل، والمريلة البيضاء والشريط الأزرق المربوط عند العنق، وأنني كنت معجباً بمريلة أحد الأطفال كانت تزرر من الجانب، لا على الشاكلة التي كانت لي – من الخلف - وقد تركتها على أي حال من دون انتباه، والبنطلون القصير الذي صار من ماضي مدرسة الغزالة، ثم لم أعد إلى ارتدائه كثيراً بعدها.
*
وهكذا؛ كان علي أن أخلف كل هذا ورائي وأقصد مدرسة البنين وأنخرط في مناخ مختلف، مضطراً - بين ما اضطررت إليه ذات مرة - إلى زعم تشجيع النادي الأهلي، لأن زميلي الجزائري مع عدد آخرين جاؤا بهياج وحماس عارمين وهم يهتفون بسبب فوزه الذي حدث بالأمس، مع وجود مشجعين للاتحاد، أو هكذا وهمت، عندما عين المدرس عريفاً للفصل يقوم بتسجيل أسماء المشوشين في فترة الراحة بين حصتين، وطلب مني العريف أن أهتف ( الاتحاد ) وقد هتفت على الفور، لكنه اتخذ ذلك ذريعة لتسجيل اسمي ضمن المشوشين. وبذا كنت أتلقى هناك بعض دروس في الانتباه لخدع من هذا القبيل، والتعرف على أشخاص آخرين، من قد ألتقيه الآن بعد كل هذه السنوات، وأذكر أنني التقيته هناك. وقد بدأنا انخراطنا في الفصل مع من رحل معي من مدرسة الغزالة بأن نحكي عن الغزالة والمعاملة الرفيقة، التي لا تتعدى عند غضب المدرسة ضربة بكفها تقتصر على نقل إحساس تنبيه على مؤخرة العنق، أو ضربة بالمسطرة خفيفة على ظاهر الكف. وذلك لإبهار سامعينا بسبب ما يلقونه من معاملة همجية، حيث كانت عصا مسطحة سميكة تهوي على أكفهم في عدد من الضربات لا يدرونه على الكفين بالتبادل. وقد نلت حصتي من هذا الضرب، لمجرد أنني انهمكت في أحاديث مستثارة عن فيلم من بطولة ( ماجستي ) وهو شخصية تمتاز بقوة جسمانية خارقة سادت في السينما الإيطالية لفترة نافست شخصية ( هرقل ) الذي كنا ننطقه –كما ورد بالإيطالية ( إركولي ). كنا أربعة في مقعدين متواليين، ولهذا التفت التلميذان اللذان كانا في المقعد المقابل لنا، وانهمكا في رواية مشاهد الفيلم. في ذلك الحين كان المدرس منكباً على كراسات يصححها، وعلى غفلة منا كان يدون أسماءنا، ثم فاجأنا بصوته الهاديء يشق سكون الفصل – أو ما أشبه السكون الذي ساد في ذلك الوقت – وهو يقول " اللي كانوا يتكلموا يطلعوا لبره "، ثم ليكرر هذا الأمر بتأكيد، بعد أن بوغتنا، وخرجنا إليه، وكنت أول من قابله العقاب، ماداً كفي الصغيرة، تحت عصاً ارتفعت إلى علو شاهق - بالنسية لي بالطبع – ثم هوت بقسوة، ليتكرر ذلك بالتبادل مع الكف الأخرى – من باب الرفق والرحمة - .
*
عهدي بمدرسة شارع الزاوية- وقد كان قديماً - لم يكن دائما بشعا، فقد قطعت السنة الثانية الابتدائية بها، سنة 1957، بهدوء، في ظل مديرها الأستاذ النعمي رحمه الله، والمدرس الأستاذ نجم الدين المسعودي، الذي كان يظهر تقديراً لقدرتي على القراءة، ولم يكن يوقع – حسبما أذكر - عقوبات جسدية على التلاميذ، ولكني كنت أنزعج من تكأكؤ التلاميذ على صحني الخبز والحليب الواسعين ليلتقطوا أرغفتهم،































