الحلم النصي من خلال التناص الداخلي
كتبهاعبدالرزاق الماعزي ، في 22 أغسطس 2009 الساعة: 11:59 ص
وهكذا تتألق عناصر لافتة – في حال تجميعها – متسببة في أهمية دلالية:
· أن الضخامة أمر مؤرق، لأنها قد تصحبها فعالية – مثل فعالية الثور وريتانا - .
- كون إنسان مثل مانويل، وهو المصر على تأكيد ذاته، مواجه بسحب المودة عن أن تحتويه، بدءاً من غياب الابتسامة، إلى حين ظهور ما يؤدي إلى تعويضها، في ابتسامة لم يعكرها تصرف أساء لمانويل، وتمثلت في ابتسامة الفتى الغجري فوينتس، ذي التسعة عشر عاماً تقريبا.
- ترتبط الضخامة الحالة في القصة بالدكنة، فالثور أسود، وزوريتو المؤملة مساعدته أسمر، والواقع أن السمرة هي لون فوينتس أيضاً، ولكن سمرة زوريتو تبدو في وصفها خاصة، إذ هو أسمر مثل هندي، ولعله بذلك يكون أكثر سمرة، والثور وحده يحمل اللون الأسود، والموضع الآخر الأقرب إلى لون الثور، هو الليل، هذا الليل الذي ألقى به ريتانا مانويل، وفي ظلمته أخذ الجمهور يقذف مانويل، وياله من ليل إذن، إذ كان مانويل يتمنى المصارعة في النهار على أية حال، وهي فترة المصارعات الأكثر جلباً للتقدير، ويصير لون الثور وضخامته، والليل، وريتانا بقعة كامدة في رأس مانويل المتابع لبقية العناصر المؤثرة على معنوياته، وهل كان إلا ريتانا من ألقى بمانويل في هذا الموضع الجالب لنقمته، وها قد تزاحم الجمهور، ومن ورائهم صحفي يتابع، حتى أنه من بين الأشياء التي سقطت على مانويل زجاجة شمبانيا فارغة، وكان الراوي قد قال بأن الصحفي المراسل، كان يشرب جرعات من شمبانيا، وكون الزجاجة قد وقعت، فإن الصحفي يكون مندغماً بأقاويله في كتلة هذا الجمهور غير المقدِّر. وأخيراً فإن لسان الثور يندلق خارجاً، وكأن مانويل نفسه يشير إلى هؤلاء: " ها هو اللسان صاحب الأقاويل ".
- تلوح الكلمة " swing " بدلالة احتفالية، لأنها تتصل بالالتفاف، والالتفاف قد يؤدي إلى التغلب على الخصم، ولكنها تُستعمل للتعبير عن احتفالية الدخول أيضاً فيما يشبه العرس. وقد مارسها فوينتس في وصف الراوي فبدا مثل " راقص باليه "، ولهذا فإن النادل الطويل قد أسلم الحركة والطول، بينما رحل الولد الذي صب القهوة معهما: الحركة والطول، مبارحاً تعبير النادل الطويل الذي كان حرياً أن يؤذي مانويل، وكان يخص أي الفترتين سيصارع مانويل، وهذا أمر له أهمية كبيرة كما رأينا، وهكذا تلبس الولد شخص فوينتس، وابتسم لمانويل على نحو مؤثر، وخاض صراعاً ضد الثور شد انتباهه. [ وظهر هذا في التقسيم لصيقاً بدور مانويل – في الوحدة الأخيرة ] وصارت هناك إذن عجينة لكائن جميل المرأى، وماهر جداً، وصغير السن، لعله مع مانويل يذكره بأخيه الصريع، ولعله يذكره بتعطش آخر. ومن خلال الحوار الذي جرى بين مانويل وزوريتو، وظهر في حال عزله وكأنه يؤدي إلى دلالة جنسية، قد تبطن علاقة قائمة بالفعل بين مانويل وزوريتو، فإن عنوان المجموعة القصصية " رجال بلا نساء " يلوح بشكل خاص، وذلك لأن قصص هذه المجموعة خالية من النساء. وقد دعا زوريتو مانويل إلى طعام في بيته، فهل مارسا الجنس أيضا؟ أم كانا يشتاقان إليه؟! وإذ بدا زوريتو لمانويل صديقاً قد لا تدوم مؤازرته، فإن فوينتس الغجري، أي الولد الذي صب القهوة، وقد كوفئ – هو الذي أشاح بوجهه عندما سؤل مانويل في المقهى - من صاحب الحلم بأن لعب دوراً فعالاً في المصارعة. بل إنه قد يواصل حلوله، وقد شدت مصارعته مانويل، في تفكير المصارع فيما بعد، ولهذا يتحتم أن يرحل مانويل المسن مع الفتى، وحدهما [ وألآ يصلح الفتى لأن يكون مجرد الفتى الواعد، وتتشكل من عجينة أخرى، التي أساسها الابتسام، امرأة ؟ ].
في الأثناء، ننتبه إلى لفظة الجحيم. وهذه اللفظة بدأت في الظهور متصلة بريتانا، وقد تلفظ بها النادل الطويل في المقهى: " A hell of a lot he cares "، وتتصل بأن ريتانا لا يهتم بشأن ما يحدث في المصارعة. ثم أخذت اللفظة في الظهور، حتى صارت تتفجر من فم مانويل أثناء المصارعة وإثرها، وكانت متمثلة بأقوى حال في صياح مانويل لهرناندز الذي جاء ليقنع مانويل بالذهاب إلى الإسعاف، بدلاً من التصميم على إنهاء المصارعة : " Get the hell away from me " وتعني : " ابتعد عني بحق الجحيم " وقد قال أيضاً : " ليذهب الثور إلى الجحيم " وفي الختام – وقد كان عليه أن يتوجه إلى حيث يجلس الرئيس – محافظ المدينة – فإنه قال عن الرئيس " Presedent hell " ومن الصعب ترجمة هذا التعبير، إلا أنه يربط الرئيس بالجحيم بقوة، ويعني أيضاً نفيه من اهتمام مانويل، أو التأكيد على أنه لا يستحق التحية. وإذ ترتبط هذه المصارعة بالليل وبالظلمة، وبلون الثور الأسود، فإن هناك احتمالاً لأن يتصل هذا كله بالترسب الخرافي للجنيين الطائرين في شكل ثورين برأسين بشريين، " يحلان على جنبي الجحيم … يشبهان ثيراناً برؤوس بشرية تحرس قصور الأشوريين، إلا أن هذين الثورين [ في نظرهم ] حيان "، [www.livius.org/la-ld/lamassu/lamassu.htm ] وهناك ما يتصل بهذا التصوير قائم في المتحف البريطاني [ ولعل هذا هو مصدر اطلاع همنغواي ] ولكن الثورين المقصودين في الحضارة البابلية يحرسان، وهما " في تأويل حديث يضمان قوة ثور وحرية نسر مع ذكاء إنسان " . وبما أن بطل قصة " الذي لم يُهزم " مضى إلى ( بوابة الشمس ) فلم يجد أحداً من معارفه، فلابد أنه – وهو مقذوف به من ريتانا إلى مصارعة في الليل " يتخيل كلاً من ريتانا والثور في تناقض مع بوابة الشمس، وفي ترابط مع الوحشة. وترسيباً لحادثة مصرع أخي مانويل، فإن مصارعة الثور ملحمة صراع ضد الظلمة، أو الموت، أو نفي الحياة والوجود والتحدي. وقد أزيح جانباً ما يشبه الظلمة شكلاً – الظل – فذكر الراوي أن مانويل " هبط الجانب الظليل من الشارع " أي أنه لم يكن هناك عناء بسبب الظل، وتعبيراً باستعمخال فعل الهبوط ولو مجازاً، فيما كان الصعود رابط عناء الالتقاء بريتانا وزوريتو فيما بعد في الحلبة. وحيث ابتعد زوريتو بهذه القرينة الإضافية، وابتعد هيرناندز بربطه بالجحيم، يكون أقرب خليل لمانويل هو الفتى فوينتس الحسن المرأى.
إن هذا هو ما سيفتح الباب لتأويل مسيرة همنغواي كلها، على أنها تمثل لضرورة تكامل لحلول ثلاثي: المسن والمرأة والفتى. وقد بدأ هذا الحلول في التلويح بضرورة الوجود في هذه القصة، ولكن المرأة لم تكن موجودة لعدم ضرورتها، ثم بدأت في الظهور فيما بعد، وفي أول ظهور روائي لها، بدا لها جسر نصي مع قصة " خمسون ألف دولار " لأن بطل هذه القصة اسمه " جاك " بينما بطل رواية " عيد " أو " لا تزال الشمس تشرق " اسمه " جيك " وهو من تعود إليه المرأة في نهاية المطاف.
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























