الحلم النصي من خلال التناص الداخلي
كتبهاعبدالرزاق الماعزي ، في 24 أغسطس 2009 الساعة: 11:26 ص
وقبل المضي نحو ربط هاتين القصتين بروايات تالية لهمنغواي، ثمة فرصة للتعرف على مكونات قصة " الذي لم يهزم " بطرحها من خلال تقابلات ثنائية، وسأعرضها في جداول مع ترك فسحة في عمود للملاحظات، ثم الخلوص إلى إجمال على النحو الآتي:
تقابلات الطبيعة
|
الضوء
|
الظلمة
|
ملاحظة
|
|
|
هناك ضوء في الشارع الذي نزل إليه مانويل من مكتب ريتانا، ولكنه مصحوب بارتفاع الحرارة.
|
لا يرد ذكر للظلام إلا مرتبطاً بليلة المصارعة – قي اليوم التالي – لخروج مانويل من مكتب ريتانا.
|
من المحتمل أن يستنتج المرء من هذا الأمر قسوة الحالين، فالضوء النهاري كان قاسياً بحرارته، والظلمة الليلية قاسية بتدنيها بأهمية مانويل، وبما قاساه أثناء المصارعة.
|
|
|
يصير الضوء بارداً في الجانب الظليل من الشارع.
|
لا يرتبط الليل في ليلة المصارعة بذكر البرودة.
|
الجانب الظليل مجرد مهرب مؤقت، وعدم وضوح تصاحب الليل بالبرودة – أو هبوب النسمات – دال على أن الشخصية الرئيسة لم تجد في هذه الفترة الزمنية ما ينعشها ويبهجها بشكل كامل.
|
|
تقابلات المكان
|
المكان المغلق
|
المكان المفتوح
|
ملاحظة
|
|
مكتب ريتانا نموذج للمكان المغلق غير المبهج، فحتى مع إنجاز اتفاق تنظيم المصارعة، لم يذكر الراوي أن مانويل كان سعيدا.
|
الشارع مكان مفتوح ولكنه حار.
|
لا حل مع انفتاح المكان في هذه المرحلة، والحرارة مذكرة بالحاجة إلى الهروب منها.
|
|
المقهى نموذج للمكان المغلق الذي يتراوح بين الإبهاج والتنكيد. ففيه كانت هناك علامات الوحشة إذ الكل نائم، وفيه يتحاور الندل بما لا يبهج مانويل، وبلا اكتراث به، وفيه يلتقي مانويل بزوريتو – البيكادور – ويسمع تمنعه، ولكنه يسعد أخيراً بموافقته على أن يكون بيكادور له، في مصارعته.
|
بوابة الشمس ساحة، ولكن لا أحد بها ممن تعرفهم الشخصية.
|
لا جدوى من وجود الساحة مع عدم وجود مودة: مودة الالتقاء والتحادث. والسعادة الأخيرة في المقهى مغنم وحيد – تقريبا – وبعده سيخرج مانويل مع زوريتو.
|
|
منزل زوريتو مكان مغلق، ولكنه مذكور اسماً فقط، وغير موصوف.
|
|
لا نعرف غير توقعنا أن مانويل سيتناول طعاماً في منزل زوريتو، وهذا سيوحي بالأنس المؤقت.
|
|
إذا وصفنا الحلبة باسمها الإنجليزي " Ring " فإنها تكون ضيقة، إذ هي مكان مغلق على الصراع المميت.
|
الساحة أو بالتسمية الإنجليزية " Arena " فسحة أكثر اتساعاً من مجرد كلمة Ring
التي تعني حلقة، وبها هناك حرية أكثر في الحركة والاستعراض.
|
تبدأ المساحتان في إعطاء فعاليات الحركة فرصتها، وسيكون الالتقاء بالشخصيات مهماً في ترك الآثار الأولى على الشخصية الرئيسة، حتى إذا وقعت المصارعة بالسيف كانت الحلقة مجلى إقصاء، كاد يودي بالشخصية الرئيسة، ولكنه أودى في النهاية بالثور، وفيه وقعت عروض أخاذة نفذها الفتى الغجري.
|
|
مقر الإسعاف وبه طاولة العمليات، يلعنها مانويل، فهو مصاب، وفيها يتلقى ابتسامات، ولكنه يتهدد أيضاً بقص ضفيرته – علامة إنهاء حياته بوصف مصارع -
|
مواقع المشاهدين أماكن فسيحة ومغلقة في آن، وأضيقها الحيز الذي يتابع منه محافظ المدينة، وهو حجرة. وهذه المواقع تحجز الجالسين فيها ولا تحجزهم، وحرية الاختيار لا تلزمهم بشئ، فكل ما يخسرونه هو نقودهم، والدليل على ذلك أن مراسل الصحيفة قد غادر عندما انتهى دور فوينتس، مفضلاً أن يعرف النتيجة فيما بعد.
|
من المؤمل أن يشفى مانويل ويخرج من حجرة الإسعاف، محتفظاً بصحة وبضفيرة كادت تُقص، أي إنه خروج مشابه للذي تم من حلبة – أو حلقة – الثور. أما مواقع الجمهور فهي المحايدة أبدا. إنها مكان الأشخاص غير المبالين إلا بما يسليهم ويرضي ذوقهم، ولو أنهم مؤثرون على معنويات المصارعين.
|
الشخصيات
|
ريتانا بوصفه منظم المصارعات
|
مانويل المصارع
|
الالتقاء بين الشخصيتين غير جالب للبهجة، وفيه الأولى تحاول نفي الأخرى، بعدم الموافقة على المصارعة، وبإدراجها في حد أدنى، بتنظيم المصارعة في الليل.
|
|
النادل الطويل
|
النادل القصير
|
حركة النادل الطويل وحدها معجبة، أو قد تكون كذلك للشخصية الرئيسة، فضلاً عن أنه حامل ما تطلبه منه، ولهذا تبقى لمحة الطول مذكرة به، و جامع النادلين هو الثرثرة التي ربما لم تكن شديدة الإيناس لمانويل، وربما كانت مجرد ثرثرة دالة على وجود بشر.
|
|
الصبي الذي يصب القهوة
|
الفتى الغجري – أي فوينتس -
|
التعاطف أو إظهار مراعاة اللياقة مع مانويل قاسم مشترك.
|
|
مانويل المصارع
|
زوريتو البيكادور
|
الالتقاء يبدو مشابهاً للقاء بين بطلين، ولكن مانويل مصارع يعتمد على ساقيه، بينما زوريتو ممتنع على ظهر حصانه، يضحي به من أجل أن يبقى هو، والفرصة أقل لإصابته.
|
|
هيرناندز
|
فوينتس – أي الفتى الغجري -
|
اعتنى الراوي بذكر لباس هيرناندز، بينما مع فوينتس اعتنى بذكر ابتسامته وظهور أسنانه أثناء الابتسامة وسمرته وحسن مرآه، وبمآل المصارعة وبعرض فوينتس الذي لقي ترحيبا، تكون كفة فوينتس الأرجح، وقد جلب فوينتس السيف لمانويل بعد سقوطه منه، أما هيرناندز فأخذ يقنعه بالذهاب إلى الإسعاف، ونال صيحة : " ابتعد عني بحق الجحيم ".
|
|
مانويل المصارع
|
الثور المصارع
|
الثور أسود اللون، ومانويل أبيض ويتصل الاثنان بمكابدة المصارعة بحسابات، فالثور يتوقف ويضم ساقيه، ويزن الأمور، ويقذف سيف مانويل إلى حد أنه يطيره إلى الجمهور في علامة على أن " هذا المصارع غير ذي شأن "، ومانويل أثناء المصارعة يعرف مفرداته وفوق ما يصاب به من إهانات ومن جرح، يتسبب – أخيراً – في قتل الثور بغرس السيف في موضع بين الكتفين.
|
|
مانويل الجريح
|
الطبيب
|
يبتسم الطبيب لمانويل والأرجح أن هذا ناجم عن إنسانيته بوصفه طبيبا. ومانويل لا يحب موضعه جريحاً بسبب ثور، ولكن ليس واضحاً أنه لا يحب الطبيب. إلا أن غضب الطبيب من نهوض مانويل الفزع، قد يكون شاب شعور مانويل بشئ.
|
|
مانويل الجريح
|
الممرض
|
الممرض هو من ناول زوريتو المقص، وهكذا فقد ضاعت ابتسامته من دون أثر ودي. بل لعله خلف أثراً عدائياً في نفس مانويل.
|
|
مانويل الإنسان
|
زوريتو الإنسان
|
تجمعهما صداقة وود وضحت علاماتها، وانتهت بإحجام زوريتو عن قص ضفيرة مانويل، ولكن زوريتو متقدم في السن، وهو يذكر مانويل بسنه، ولعل اعتراضاته على مانويل منغصة.
|
إجمال
|
تقابلات الطبيعة
|
الظل هو أفضل الأماكن في الشارع الوضيء، ولكن اتساع الحر ولفحه، لا يذكر بالحاجة إلى البرودة وحدها، وإنما بدلالة كثرة في ترديد كلمة " الجحيم " بدأها النادل في الفترة الزمنية نفسها – وقت الحر – الأمر الذي يجلب هذا إلى ذاك، ويوحي ببعد دلالي للقصة، إذ فيما يرتبط الحر النهاري بالشمس القاسية، يرتبط الثور وريتانا والجمهور وهيرناندز والرئيس بالجحيم، وهذا قد يكون لأن " الآخرين هم الجحيم " - كما قال سارتر – وربما أراد الكاتب التذكير بهذه اللمحة.
|
|
تقابلات الأماكن
|
المكان الضيق قد يحوي مودة لا تشد الشخصية بالكامل، مثل منزل زوريتو، لأن الطموح أوسع. والواسع – مثل بوابة الشمس - لا معنى له من دون ناس يعرفهم المرء، والمقهى هو مثل منزل زوريتو – مؤقت -. وهناك حاجة للتحكم في المكان بشكل فعال، بإقصاء طرف ما، ممثل للجحيم والأقاويل المسيئة معا، أي للحر المعنوي القاسي، وهذا المكان متحدد بحلبة المصارعة، وبحسم الانتهاء منها، يكون أي مكان آخر مريحاً لأن الأقاويل فيه ستتغير.
|
|
تقابلات الشخصيات
|
المعاداة – مثل المودة – غير كاملة. ولكن هناك موقعين لوضوحها: فالثور – لأنه حيوان – مجسم لمعاداة كامنة لمن هو ضخم التأثير – مثل ريتانا والجمهور والرئيس – وهو لهذا قربان. والمودة يمكن ن تولد من دون تنغيص، ولكنها لا تتجلى إلا من خلال وجهي صبي وشاب: الصبي الذي صب القهوة والفتى الذي اهتم به مانويل، أي أن صبا العمر عامل ممتن لصداقة محتملة، والمستقبل احتمال مفتوح لهذا التمتن.
|
|
خلاصة
|
ليس المهم هو النهار ليكون زمناً للحر أو البرد، ففيه إمكان الشمس اللافحة والظل، وليس مهما المكان المغلق أو المفتوح، فبوابة الشمس خالية من المعارف، والمقهى غير ودي بالكامل .. إلخ وأشد الأماكن أهمية هو مكان الأزمة، أي حلبة الصراع مع الثور، أو حلبة الصراع إجمالاً، وهو صراع مع الجمهور أيضاً ومع المحبطين. واللون أيضاً يبدو ليس هو اللمحة الأهم، فمانويل أبيض، والفتى فوينتس أسمر، ولكن لون الثور الأسود مجسم وقد تزامن حضوره - هو القاتل المصمم الوحشي - بالليل. ولكن الليل كان موعداً لعرض الدخول الجميل أيضاً ولمرأى فوينتس وعرضه. أي أن اللون الأسود قد يرتبط بالجمال. إن الصراع علاقة واسعة جداً، ولهذا فإن عاملي الزمان والمكان نسبيان. أما القيمة الرمزية المستخلصة فتتمثل في كلمتين " مودة " وهي مجسمة في فتى غجري تبسم، ومن ورائه وعود الحياة، و" جحيم "، وهي مجسمة في ثور، ومن ورائه من برزه فكان قرني إقصاء يقذفان بالسيف، ويفعلان ذلك ثلاث مرات، كأنهما يجسمان أصابع إنسانية أو ألسنة غير بصيرة.
|
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























