أوف
كتبهاعبدالرزاق الماعزي ، في 29 أغسطس 2009 الساعة: 11:26 ص
-1-
لم يفارق النوم عيني منصور ، وهجرته اليقظة ، إلا أن الهواء ظل يدخل ويخرج من فتحتي أنفه ، وهو ليس علامة يقظة ولا نوم ، فكيف إذن استطاع أن يجزم بأنه شم رائحة الذرة المشوية .. هل كان إلا حلماً إذن ؟ - وأي حلم - إلى حد أن منصوراً أخذ ينفض ثيابه عند الصباح تحت إحساس بأن هباء الذرة المحترقة والدخان قد علقا بها . قالت له " مريومة " زوجته : أوه .. ماذا تفعل ؟! . وقال منصور: " أف " .. كنت في جهنم .
السؤال كان متوقعاً من مريومة لأن منصوراً لم يكن يعتقد أنه واهم ، وهكذا فقد أبدت قدراً ملائماً وهادئاً من الاستغراب . أحس منصور بخيبة أمل من هدوء استغراب مريومة ، فقد تخيلها فاغرة فمها ، كأنه قال لتوه لها : كنت في استوكهولم ، أو .. كنت أتزلج على جبال الألب . ولعل مريومة كانت مشغولة بما سيحفل به يومها من أعمال ، ولعلها كانت مسكونة بهموم أخرى ، وهي لهذا لم تغرق منصوراً باهتمام عما وراءه ، ولا سألته عن أخبار جهنم . وهكذا فقد خف منصور من دون كبير إفطار – كان ضيق النفس أحياناً – لملاقاة صديقه الهادي . وكالعادة في الكتمان ، فقد كتم منصور عدم استغراب زوجته ، ولم يبح ببنت شفة ، لكنه قال للهادي : " أوه .. يا هادي .. كنت في جهنم .. هل تصدق ؟ " . ولأمر ما لم يدخل الهادي في عقل منصور ، وظن أنه يستعمل لغة مجازية لموازاة الواقع ، وهو أمر مبالَغ فيه .. هكذا يرى الهادي ، وكذلك منصور ، لكن ، لا بأس أحياناً بالتهويل البلاغي في لغة الإنسان لأغراض مختلفة في أسلوب أدبي راق . وكذلك خاب أمل منصور لأن الهادي لم يبد استغراباً كافياً بحجم ما خبأه منصور في دفء حنجرته ، وفي سعير دمه المضطرم بين بطين قلبه والأذين ، وكأن منصوراً لم يكن يخبيء أمراً بحجم لو قال : " لقد صرت أديباً ذا شأن بعد أن تفرغت للأدب .. وتُرجِمت أعمالي لقيمتها " أو " لقد صرت أتقن عدداً من اللغات حتى أن الأقزام صاروا يغارون مني " . واحتمل منصور برود الهادي ، وسَحب رجليه وهو على وشك أن يجد الإنهاك إلى نفسه سبيلا ، وذهب إلى فاطمة ، وهي طالبة تَعَرَف إليها مؤخرا ، وقال لها : " إيه يا فاطمة .. ألم أكن في جهنم ؟! . ومدت فاطمة إليه عينيها متفهمة .. وأوشكت الدموع أن تطفر منهما .. ولكن شفتيها ظلتا منطبقتين . وحين بدأتا بالانفراج .. كان على منصور أن يتذكر بأن فاطمة تخيلته في بيتها الذي يحاكي أحياناً جهنم . والمقصود من بيت فاطمة هو حياتها .. حيث ما زالت تُعاقَب على كونها أنثى ، وتُدرَج في مكان أدنى من مكان أخيها الذي لم يتجاوز الثالثةَ عشر . وعندما انفتح فم فاطمة .. بدأ لفح جهنم يقصف منصورا . ولهذا فقد خاب أمل منصور بشكل مُضاعَف ، ومضى قبل أن تلتهم أحاسيس التعاطف التي طرأت عليه ما لديه ، ووصل أخيراً إلى عتبة جيرانه ، ووجد هناك " كامل وسالم ومختار " يلعبون الكرة ، فلاعبهم بعمق ، وخضته ألسنة أصواتُهم وسُر لأن الثلاثة الذين ما زالوا لم يتخطوا الثامنة عشر .. رحبوا به ، برغم تجاوزه للأربعة عقود ، واحتمل منصور – الدقيق الاحتمال – هاجس الغرض النفعي ، المتمثل في كونهم أرادوا أن يتمموا الفريقين بالتساوي ، حارس لكل فريق والاثنان الآخران يشكلان دفاعاً وهجوماً في الوقت نفسه . ولهث منصور معهم ، واندلع ، وصاح ، وصرخ فرحاً ، وتحدث عن أخبار الكرة ثم جلس معهم على العتبة محتملاً انصراف عمي " ميلاد " بائع الفحم الباسم ، وقال لهم : " أنا كنت في جهنم البارحة " . وانفتحت عينا كامل اندهاشاً وضحك ، وأدار سالم رأسه بكامله إليه وضحك ، وعقد مختار حاجبيه ونظر إليه حتى تخيل منصور أن عينيه ستقفزان إلى صدره مثل سمكتين حمراوين .
كان منصور يعرف عن الثلاثة ميولهم الأدبية ، وأن كاملاً قد قرأ بالأمس محاولته القصصية ، وأن سالماً يحب الشعر .. ويحاول أحياناً أن يكتبه ، وأحياناً لا يجد ما يكتب ، فيدون سطراً لغيره سكنه بشكل لم يستطع أن يقاومه ، وإن كان لم يزعم أنه ملكه ، ولا تعمد تكتم ذلك ، حتى وإن دق السطرُ في رأسه مثل ساعة بيغ بن .. كما ذكر أحدهم ، وكانت آخر السطور التي عرضها سالم على منصور تقول : " أين من عيني هاتيك المجالي .. يا عروس البحر يا حلم الخيال " . ولاحظ منصور أن سالماً ربما واقع في الغرام ، وتوسل إليه بحُرقة أن يكتب شعره . وبالنسبة لمختار فإنه - والحق يقال - نابغة في العلم ، ومُجد في مواده العلمية ، وهو قاريء ومستمع جيد ، لا تحلو له أبداً مقاطعة من يتحدث إليه ، ولا تقفز نفسه خارجاً قبل أن تسيل نفس صاحبه على تراب أذنيه ، وهو بعد ذلك يبشر بالاهتمام بالأدب .
-2-
إذا هبت نسائم الصيف على شارع مراكش الذي يرقد مثل عملاق ناحل ، وهدأ سعي الناس وسْط الركام الشمسي المصحوب بقرع روتين الإدارات ، أو تطاحن الأطفال مع عصي المدرسين ومقاعد الدراسة والشراهة للشطائر ، ودبيبهم الصباحي الحثيث ، تحت إلحاح طموحات آبائهم الساعين لأعمالهم ، بمعارفهم البسيطة أو المتوسطة ، لأن يبلغوا غايةالمجد العلمي ، أو غاية الكفاءة في اختراق جدران المجتمع ، واضطجعت النساء أخيراً على حشايا البيوت ، أو اتكأت سيقانهن اللامعة – بسبب تغيبها الطويل تحت الجلابيب .. بعيدان الحصران ، فإن الأنفاس تعود إلى هدوئها ، تنسحب مقادير كبيرة من الهواء إلى الداخل ، ثم تخرج مستريحة مع الزفير .. إذا كانت الحكايا ذات إيقاع مريح . وفي ذلك المساء .. كان الزفير يخرج من أفواه كامل وسالم ومختار .. يخرج على هيئة متضرمة ، بينما منصور يحكي : " كنت في جهنم " . وقد تهيأ لمنصور الآن أن يرفرف بجناح واحد .. لأن ما قاله مجرد حكاية تخرج على هيئة كميات من الهواء المضغوط .. وحيث لم يكن منصور يرى إمكانية رفرفة الجناح الآخر .. إلا كطيف ببرده السماوي يخترق صدر شارع مراكش ، الذي سحب وسادته ، وثنى ساقيه ، متهيئاً لأن ينهد الليل أخيراً كدثار خفيف ، وحيث تحدق فيه وجوه البيوت والدكاكين الموضوعة بين الأكف بأبوابها الصامتة . وقد ضفر كامل وسالم ومختار جلستهم الآن على العتبة حول منصور الذي قال :
- لعلي كنت مسكوناً بالمعري ..
وقال سالم : " أوووه "
وتحرش به كامل : في جعبتك الكثير
وانفعل مختار ثم قال : " بلا مقاطعة " وأشار إليهم بيديه ليصمتوا .
وقال منصور : " نحن يجب أن نتمم دائماً أبنية من سبق .. بهذا الاقتناع أتم المعري رسالةالغفران ، ربما بوحي قصة الإسراء ، ربما هذا الهاجس كان يسكنني ، لأننا لم نكتب رسالةغفراننا ، لنرى رموزنا في العالم الآخر .
وأحس منصور بالصمت الممتد مثل سجاد وثير ، وقرر أن يمشي الآن ، أو بالأحرى أن يواصل الكلام ، وكان يهتز بشكل طفيف للإيماءات الصوتية على صهوة خياله ، وقد توقدت عيناه وهو يقول : " كان هناك .. رأيته في ما يرى النائم " وقال كامل : " من ؟ " وقال منصور : " هذا الـ .. " ولم يُكْمل . " كنت أظن دائماً أنه مجرد وكيل أعمال .. شيء لا علاقة له بالجنس النبيل للأدباء .. حتى أنه لم يكن يستحق أن يدخل في داخل جهنم ، أو يقال عنه أنه كان يتلدد في النار " . وأدار سالم رأسه يمنة ويسرة متعجباً ، وعقد مختار حاجبيه ، وقال منصور : " هذاالنموذج الهزيل إذا دخل الجحيم فلربما أثار عطفك ، لكنه يظل مقامه على الهامش .. يشوي الذرة ، وإن كان قد شكا إلي من أن الصهد كان يمس ركبتيه ، وهو أمر يهون " ، وتنفس منصور بعمق وهو يقول : " كان مجبراً على أن يشوي الذرة ، وكانت أصابعه تقحم من حين إلى آخر من بين فتحات الكوانين ، وتخرج ليلعق سوادها بشراهة متوقعاً أن يلتذ ، فيسيل رذاذ من فمه . وكانت أصابعه تنسحب ، ولكنه كان عاجزاً عن أن يرفع كوزاً واحداً إلى فمه . وقد رأيت الزبانية يخزونه من بعيد متأففين من ثقل أكتافه ، ويطلبون منه أن يحث العمل . كان يحتج أحياناً متسائلاً عن موقع اسمه في السجل الأخروي ، ويصرخ : " أليس هناك مَلَك رفيع الرتبة أراجعه ؟! " وبينما مقامع الزبانية تسقط على أذنيه ، نسمع أحد الأدباء الذين خانوا مبادءهم يصيح به من أعماق سقر : " ألا تكف يا دنيء عن هذه اللغة العجفاء ؟! " . أحياناً يستلقي على ظهره ويقول : " خطرت لي نكتة " ، وفجأة نرى على جبينه بصقة كبيرة ، ويقال لنا : هذه قادمة من الجنة .. أرسلها له الصادق النيهوم .
وضحك كامل بعمق ، وضحك سالم برقة ، وغمغم مختار بضحكته التي اختضت من وراء فمه المغلق ، ولكن شفتيه كانتا باديتي الابتسام . وقال منصور : " ورأيته قد نهض وظهرت رقعة سرواله " ، وسقط الجميع ، واحد مائلاً على كتفه الأيمن ، والآخر على كتفه الأيسر ، وكان كامل لا يتمالك نفسه .
وفي تلك الغفلة الهفهافة .. لاحت مريومة مثل شظية . وقد جاءت تسحب رداءها مثل مروحة كبيرة ، أو مثل حميمية بجعية تهب عليه ، وأخذته من يده ، بينما كان الشباب الثلاثة منهمكين في الضحك ، وكلمة " أوف " تندفع ككتل دخانية ، ومريومة تقول : " تعال يا منصور .. تعال .. كنت في الجحيم ؟ .. إحك لي .. "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























