هذا الشهر .. وموهبتا الأدب اللتان رحلتا

كتبهاعبدالرزاق الماعزي ، في 6 نوفمبر 2009 الساعة: 09:03 ص

   

 

ملاحظة : تضم هذه الحلقة زيادة، كان من المفترض أن تكون هي الحلقة الثانية. وقد جرى تصحيح بعض ما ورد من أخطاء في الحلقة السابقة وجمع الأولى مع الثانية

   في مثل هذا الشهر رحلت عن دائرة حياتنا هذه موهبتان كانتا شديدتي الحساسية وطموحتين .. كان همهما أن تصيرا من المواهب السائرة في طريق كتابة أدبية لا تضلها الأعين ولا تلتفت عنها. وفي الوقت نفسه كانت نصوصهماعامرة  بحس التعلق بالآخرين .. قد ترد على ذهنك بلادك .. وقد ترد أيضاً نخبة أصدقائك .. ولكنه حس يسلك طرقاً من الحلول في خامات التعبير بالكلمة المقروءة لجعلها مصادر تتنوع بسحر، وتلفت إليها روح قارئها، وتمد أيديها إليه، وتثبت صلابتها وليونتها معا. إنهما موهبتا علي الرقيعي الشاعر والصادق النيهوم الكاتب، الذي حل مباشرة بكتاباته في السنة التي رحل فيها علي الرقيعي، سابقاً وفاته بوهلة، فأثبت حضوراً .. وعندما توقفت أنفاسه كان قد سبق تاريخ رحيل علي الرقيعي ( 22 / 11 / 1966 )  بأسبوع فقط. [ هل يشبه هذا اتفاقاً على تبادل : فالأول يسبق  التالي برحيله، والتالي تقع وفاته أسبوعاً قبل تاريخ رحيل الأول ؟ ]
هنا أعيد نشر قراءتي لنص للنيهوم بعنوان ( أحد الأيام الميتة ). وآمل أن أكون دائماً أكثر توفقاً في التعبير عنه.
 
قراءة في نص للنيهوم
 
 
      من الآثار الأدبية للكاتب الراحل الصادق النيهوم، نصوص كان ينشرها من حين إلى آخر، يمكن عدُّها قصصاً، وقد استعمل النيهوم في كتابتها أسلوباً يدخل في باب أدب (العبث) أو (اللامعقولالذي ظهر في كتابات أدباء ومسرحيين مثل كافكا و يوجين يونيسكو زصمويل بيكيت، وكان النيهوم مثلهم في محاولة تمرير صوت معبِّر بشكل ما، من خلال بعض نصوصه، عن معنى، بتصوير خيالات من الوهم، وتضمين روح الفرد المحمل بدلالة سامية، اغترابية أو احتجاجية.
     ويمثل نص بعنوان "أحد الأيام الميتة "   نموذجاً لبعض هذه الأعمال التي ميزت بعض نصوص النيهوم، في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، بشكل مخالف لأسلوب الكتابة السائدة، الأمر الذي خلق حالة إبهار، ويشكِّل النص حالة سردية مميزة بحضور الراوي بواسطة ضمير المتكلم، بحيث يبدو النص منقسماً بين عالمين من الواقع والتعويض عنه بالخيال، أو بالتعبير الذي يتظاهر سارده بالواقعية من دون أن يكون ظاهر التعبير مؤدياً إلى احتمال الصدق، إلا إذا وقع تأويل، وبحيث يبدو النص وجهين لُحلم يعيشه الكاتب، وتُقحم الشخصية لكي تعانيه، وقد تكون رسالة الكاتب أن ما يُرى على أنه الواقع المنطقي ربما يكون بدوره حُلماً، ويكون الحَكَمُ فيه الشخصية المعانية، وهي تتصرف بواصفها أداة في لغة الكاتب المكثفة، لإظهار مفارقة، يكون مجرد إظهارها كما سنرى هنا مجالاً للتلويح بها في مرآة الانتباه التي يتيح الفن لها نقل أحاسيس، مع الحرص على إبقاء التجربة في زاوية عزلٍ يعتني بها كاتبها بشكل خاص، الأمر الذي يمنحه فرصة إثرائها من معين ذاته وانتقاء لحظة التوهج. وسوف أحاول مقاربة هذا النص مع حرص على أن أكون قدر ما في استطاعتي قد حققت في محاول تحليله، رؤيته بشكل مترابط، بحيث تظهر تفاصيله محمَّلة بمعناه المركزي، وبحيث تمكن قراءة دلالاته عبر التفاصيل، وبوقوعه النص  مجزءاً ضمن مقابلات يعكس تقابلها معاني تسهم في تكوينه.
 
 

أحد الأيام الميتة
20 مارس 1967
 
 
اكتمل فبراير، وتجمع باعة الفراء والصيادون في الحانة القائمة وراء النهر، وتبادلوا الأنخاب والنكات، وشووا مزيداً من السجق فوق حافة المدفأة، وانهمكت صاحبة الحانة في غسل الأكواب، فيما تعلق أحد الصيادين بظهرها وطفق يرقص مغمض العينين. كان صياداًً مخموراً ممتلئاً ضجراً، وكان يغني برتابة ويدق أرضية الحانة بحذائه الضخم، وقد راقبته مأخوذاًوحاولت أن أدق أرضية الحانة مثله، ثم أصبحت عيناي قطعتي زجاج وأحسست بقدمي تنغرس في الرمال الدافئة على شاطيء الخليج ورأيت سرطانات البحر الصغيرة تتلاعب حول الصخور. كانت تسبح تحت الماء مباشرة، وكانت عيونها مغمورة بضوء القمر. وقالت " إيلينا " عبر المنضدة: " ما أتعس الشتاء والجليد، إن المرء لا يجد شيئاً يفعله سوى أن ينزوي في الحانة طوال النهار ويهز رأسه يائساً مثل فأر أبيض مصاب بالرعدة .. نحن جميعاً فئران بيضاء .. وأنت أيضاً فأر أبيض، إنك لم تعد زنجياً رهيباً على أي حال ". واقترب مني أحد سرطانات البحر، كان يتفحصني بعينيه العميقتين في فضول ثم تراجع فجأة وقفز في الماء محدثاً دوائر صغيرة تبهت باطراد، ومددت يدي وراءه فيما قال صديقي " سليم " :
  • احذر .. إنه سيعضك
  • ولكنه جاء إلى هنا .. هل رأيته؟
  • أجل .. إن سرطانات البحر مخلوقات شجاعة وهي لاتخاف شيئاً علىالإطلاق.
  • والأقراش! أليست الأقراش أشجع المخلوقات؟
فهز صديقي رأسه وقال بهدوء: لا .. إنها مجرد أسماك كبيرة الحجم، الأقراش كلها مجرد أسماك، ولكن سرطانت البحر مخلوقات أخرى.
وقالت إيلينا عبر المنضدة: " أعطني علبة الثقاب، هذه الحانة تشعرني بالغثيانوكم أتمنى أن يكف الصيادون عن الغناء .. مينا راكستون سنو. اتفو. ما الذي يجعل الصياد يقول ذلك؟ إن الحب مضغة في الأفواه. الحب مهنة مثل صيد الثعالب ، وإني لأتساءل ما الذي تستطيع المرأة أن تفعله في فراش أحد الصيادين "؟
ومددت لها يدي بعلبة الثقاب، كان الجليد ما يزال يواصل الهبوط، وكانت رائحة السجق تملأ المكان، وقالت إيلينا: " ولكن الزنوج مخلوقات أخرى. أشعل لفافتي إذا شئت. إن كل الرجال يخطبون ود النساء بإشعال لفافاتهن. هل نلت كفايتك مني؟ ".
ونظرت في عينيها، كان صديقي ما يزال يبحر في اتزان، وكان قاربه ينطلق بيسرٍ عبر العتمة الزرقاء العميقة، وأضواء الحانة تملأ السموات.
أنا نلت كفايتي من كل شئ، أجل لن أكذب عليك، لقد نلت كفايتي منك، أنت امرأة أخرى الآن، مجرد ليلة من إأحد الأيام الميتة، وأنا فأر أبيض ميت.
وقالت إيلينا: أنت زنجي ميت أنا فأر أبيض ميت.
وارتفع صوت صاحبة الحانة فوق غناء الصيادين:
" انتظروا، دعونا نبحث عن أغنية أخرى، تعالوا هنا جميعاً، وأنت يا أيلينا كفي عن قرص ذلك الزنجي ".
وصاحت إيلينا: " أنا لم أقرصه .. هل قرصتك ؟ ".
فغمزتها صاحبة الحانة ثم سألتني عما إذا كنت سأرقص معها، وأومأت لها برأسي فقالت على الفور: " أليكسي تعال لتغسل باقي الأكواب، أنا سأرقص مع زنجي حقيقي هذه المرة ".
وفي الخارج واصل الجليد الهبوط.
وانزوى أحد الغربان في نافذة الحانة وطفق ينقر الزجاج مدهوشا، كان غراباً صغيراً أسود العنق، وكانت رائحة السجق تلهب جوعه، وقد رأيته أول الأمر يضغط رأسه على زجاج النافذة ويدقه بمنقاره في غيظ، ثم سقط العرق في عيني، وامتلأت برائحة التبغ والأكواب القديمة وطفقت الحانة تدور في الفراغ.
  •  انتظر، لا تمسكها بيدك هذه سمكة سامة.
  • دعني أتولى أمرها أنا لست خائفا.
وابتسم صديقي بود وقال: " أنا أعرف أنك لست خائفا ".

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

  • لماذا يدعونها طرانجة، أعني هذه ليست أفعى البحر! هل هي أفعى البحر؟
  • لا 
  • ولكنها سمكة قاتلة، ألم تقل ذلك بنفسك؟
وابتسم سليم ثم انحنى وانتشل السمكة على جانب القارب وقال بهدوء: " أجل إنها سمكة خبيثة، ولكنك لا يجدر بك أن تخاف منها ".
وضحكت صاحبة الحانة وقالت لاهثة: " ضع تلك الاسطوانة يا إليكسي مرة أخرى .. أنا زنجية لا تقدر بثمن "
فقال إليكسي: " أنت فأرة بيضاء زانية. تعالي لتغسلي أـكوابك بنفسك.
وتوسلت إليه أن يتركها ترقص الرقصة التالية، فذهب إلى الجهاز متبرماً ووضع الاسطوانة ثم بصق على الأرض، وقال مخاطباً أحد الصيادين: " زوجتي زنجية بيضاء سامة. هذه اسطوانتي ".
وفجأة كف الجليد عن الهبوط. وجرى ماء النهر في الحال، ورأيت الغراب يقلع مبتهجاً في الأفق الأزرق الشديد الشفافيية ويعبر الصخور المعترضة عند مجرى النهر ثم يصعد في الفضاء ميمماً شطر الشرق. كان يطير على ارتفاع هائل وكان يبدو متوحداً في السموات البيضاء.
 وقالت صاحبة الحانة: " إلأيكسي بذيء اللسان ولكنه طيب القلب . أنت تعرف ما أ‘نيه، إنه لا يقصد أن يشتمني ".
  • أجل.
  • إنه مجرد صياد طيب القلب.
  • أجل ..
ووضعت صاحبة الحانة يدها فوق وجهها وقلبت أجفانها وقالت بمرح: " انظر أنا ألبس فناعاً الآن. أليس هذا ما تفعله الزنجيات
الغراب لا يفعل ذلك .. الغراب زنجي بلا قناع
وارتفع صوت إيلينا من وسط حلقة الرقص معلنة أ، قرطها قد ضاع ثم قالت لصديقها في ضيق: " ابحث عنه. لا تقف هكذا مثل الأبله. أنت تسببت في ضياعه وعليك أن تجده قبل أن أكسر رأسك ".
وزأر الصياد مهتاجاً: " هذه حيلة أخرى لإبعادي. أنت لا تملكين قرطاً على الإطلاق ".
" ولكنني وضعته اليوم بنفسي هل تحاول خداعي "
فقال الصياد: " أنت لا تملكين قرطاً على الإطلاق. كفي عن تدبير الحيل الكريهة " ثم استدار فجأ’ وسألأني: " لقد جلست معك طوال الوقت، هل كانت تلبس قرطا؟."
وحاولت أن أتذكر، وسقط العرق في عيني مرةً أخرى وأفرغت جهداً مضاعفاً لكي أتذكر .. هل كانت تلبس قرطا؟. ثم أبحر صديقي في عيني إيلينا، ورأيت قاربه ينطلق بيسر أ/ام دقات المحرك المنتظمة ويأخذ طريقه إلى عرض البحر. كان يقتعد حافة الدفة عاري الصدر، وكانت الشمس تسطع بابتهاج في السموات الخريفية الداكنة الزرقة.
  • أين وضعت خيوطك؟
  • هناك .. وراء الطافية.
  • وهل اصطدت شيئا؟.
  • بضعة عقارب بحرية، وهذا القرط، إن الخليج قد أقفر من الأسماك كما ترى، وإذا لم تسارع الشرطة بمنع استعمال الجيلاتين فإن العقارب ستنقرض أيضا.
  • وقالت إيلينا: " أرني القرط، لماذا علاه الصدأ هكذا؟ يا إلهي. إن المرء لا يستطيع أن يشتري شيئاً موثوقاً به هذه الأيام ".
  • وتسرب دخان السجق والتبغ عبر الشقوق إلأى الفضاء الجليدي الأزرق. وواصل الغراب دق النافذة بجناحيه.
 ختام
 
    إن هناك أكثر من نهج في تحليل النصوص، والأجدر في عصرنا اعتماد النص وحده مرجعاً باعتباره المستند الأساس، مع الاستعانة بالخلفية المعرفية لشرحه. واعتماد مدونة النص مستنداً لتحليل عناصره بتنظيمها في وحدات تحقق فهمها في شمولية، يمكن البرهنة على صحتها، بإثبات ترابطها من خلال التوالي، والاتساق واستخلاص الدلالات. وهذا هو ما سيجعل المعنى المركزي متحققاً في التفاصيل، مثلما جرى التقديم له، والبرهنة من خلالها على المعنى المركزي. والتحقق من الدلالة التي تصحبه.

 

 
وفيما يلي أولاً عرض للشخصيات مع مسلكها :
 
فـ :  .
1     . . صاحبة الحانة تنهمك في غسل الأكواب أولا
2        وأحد الصيادين يتعلق بظهرها ويرقص مغمض العينين.
3        الراوي يحاول أن يدق أرض الحانة مثله، ولكن قدميه تنغرسان في الرمال الدافئة  - حيث الخليج - .
4        إيلينا :كان معها صديق في النص، ولكنها تشكو من الشتاء، وعدم جدوى الحب بين الصيادين.
5        زوج صاحبة الحانة – يتذمر من زوجته ويصفها بالزانية، ويبدو أنه يفعل ذلك لأنها تحاول أن تشغله بأمر  
       لتراقص الراوي
6        سليم  - من منطقة الخليج  - يستحضره الراوي بخياله، ويذكر أنه رآه وحاوره.
وهناك بالإضافة إلى هؤلاء : غراب يدق زجاج نافذة الحانة جائعا.
 
 
          يكون الحدث المركزي هو صرخة إيلينا بفقدان قرطها في حلبة الرقص، ويرحل الراوي مرةأخرى إلى منطقة الخليج، ويبحر صديقه في عيني إيلينا، ويظهر القرط في عينيها، ولكنه صدئ، إلا أن إيلينا تبرر ذلك بأن المرء لم يعد قادراً على أن يشتري شيئاً موثوقاً فيه.
 
    
 
تحليل:
 
     بانطواء النص على عناصر أربعة : 1- الزمن . 2- المكان. 3- الشخصيات. 4- الحدثوهي تُقرأ هنا بملاحظة ميزات من التقابل، سوف يمضي التحليل في مراعاة هذا التقابل:
 
2        الزمن : مع اكتمال الشهر الثاني من السنة،فإن الوقت مازال في برودته في منطقة الحانة - حسب الشكوى التي تٌنقَل على لسان  أيلينا - .
3        المكان :  مغلق ومعزول عن الخارج، أكبر عزلة له هي برودة الطقس. ولكن العزل والإغلاق معاً يؤديان إلى حجز غراب جائع. يقابل هذا المكان مكان آخر مفتوح، يعرفه الراوي وحده بين من يوجد من شخصيات حاضرة.  ويبدو ذكر النهر عابراً، ولكن البحر مقابل له في ذكرالخليج .
4        الشخصيات :
أ-    تقوم على التقابل بين : الذكور والإناث: فهناك أحد الصيادين وصاحبة الحانة وصاحبة الحانة وزوجها والراوي وإيلينا-                        وإيليناوصديق لا يُلمح له أثر كبير.إلا في النهاية.وكل من صاحبة الحانة وإيلينا تسعيان نحو الراوي بوصفه زنجيا -. وبمقابلة أخرى بين الشخصيات فإن هناك: الزنوج والبيض،ويمثل الراوي شخصية تُزعَم زنجيتها،ولكنهاتُبرأ  من امرأة بيضاء (إيلينا ). ويمثل الغراب شخصية يراها الراوي زنجية،بينما تحاول صاحبةالحانة تغيير شخصيتها إلى زنجية متصورة قناعاًبمجرد وضع يديها على وجهها.
ب -في جانب التعميم: هناك ذكر لصيادين في الحانة  أغلب الظن أن بين ما يصطادونه ثعالب،        وهناك ذكر لصيادي سمك في ذاكرة الراوي الذي يمارس الصيد في الخليج بدوره.
      - وهناك باعة فراء، ومن المحتمل أنهم يبيعون فراء الحيوانات التي اصطادها صيادو الحانة.
5        الأحداث : تقوم بدورها على مايقع في الحانة، ويعلم بها الموجودن داخلها، وهو الرقص، وشي السجق، والأحاديث، إلى أن يقع أهمها، وهو فقدان قرط إيلينا، وهذا في مقابل ما يحدث في مكان لا يدري به إلا الراوي وسليم، ويقوم بدوره على الاصطياد.
ولكن الأحداث الداخلية والخارجية تترابط في حدث واحد بوقوع فقدان القرط، وزعم الراوي أنه عُثر عليه في عيني صاحبته –إيلينا - .
 
يؤدي ترابط الأحداث: الداخلية والخارجية - بين الواقع والوهم - إلى نهاية النص، إذ هناك رضى مزعوم، لأن إيلينا استعادت قرطها، ولكنها قد تكون كاذبة حول ادعاء قيمته الأصلية.   وهي الآن متوقع أن تكون في صحبة الراوي. إلا أن الغراب ما زال يدق النافذة.
 
***
 يكون التقابل بين عناصر النص لتبادل التأثير، وهذا التأثير فعل، ولذا فإنه يتكون من تقابل آخر، متحقق في العلاقة بين العناصر الفاعلة في تكوين النص نفسه. ومن الجدير بالملاحظة أن التقابل لا يظهر واضحاً للوهلة الأولى؛ وإنما يبدو أن هناك صفاً من الأحداث يتحقق عمودياً قبل أن يظهر الأثر الأول الواضح، الأمر الذي يمكن أن يُرى على النحو الآتي:
1        اكتمل فبراير.
2        تجمع باعة الفراء والصيادون في الحانة:   يتبادلون الأنخاب والنكات. شـووا مزيداً من السجقفوق حافة المدفأة.
3        انهمكت صاحبة الحانة في غسل الأكواب.
4        تعلق أحد الصيادين بظهرها وأخذ يرقص مغمض العينين.
5        حاول الراوي أن يقلد الصياد بدق أرض الحانة بقدميه.
 
وهذه الأحداث تتوالى حتى يقع الحدث المقابل :
1        أحس الراوي بقدميه تنغرسان في الرمال الدافئة.
2        رأى سرطانات البحر الصغيرة.
3        شكت إيلينا من الشتاء
4        تحدث الراوي مع صديقه في الخليج.
5        شكت إيلينا من برودة الحب.
6        مالت صاحبة الحانة لمراقصة الراوي..
7        انزوى غراب في زاوية النافذة ودقها تعبيراً عن جوعه.
8        حاول الراوي أن يمسك بسمكة - في خياله  ورأى صديقه بعد أن حذره منها ينتشلها   
     ويضعها على جانب الاقرب.
                                                  
9  صار الجو صحواً ورحل الغراب.
10 وضعت صاحبة الحانة يديها على وجهها لتصنع قناعاً وتشبه الزنجيات .
9        أعلنت إيلينا أنها فقدت قرطها.
10    أبحر صديقه في عيني إيلينا.
11    ظهر من حوار الراوي وصديقه أنه وجد القرط.
12     تبرر إيلينا صدأ القرط بأنها غُشَت.
13    يواصل الغراب دق النافذة.
 
 
 
وإزاء هذا التوالي للأحداث يمكن ملاحظة تقابل لافت في مواقعها، سيقرأ على النحو الآتي :
 
الأحداث المتداعية
الأحداث التمهيدية
 
1-أحس الراوي بقدميه في الرمال الدافئة.
2- رأى الراوي سرطانات البحر الصغير.
3- شكت إيلينا من الشتاء.
4- تحدث الراوي مع صديقه في الخليج.
5-شكت إيلينا من برودة الحب          
.
   1- اكتمل فبراير
      2- تجمع باعة الفراء والصيادون.
3- انهمكت صاحبة الحانة في غسل الأكواب.
4 - تعلق أحد الصيادين بظهرها.
5- حاول الراوي أن يقلد الصياد .
 
     إن التقابل يتوقف عند هذا الحد، بسبب نضوب المرحلة التمهيدية من الامتلاء بأحداث تمهيدية أخرى، ويؤدي التأمل الأول إلى استكناه دلالات، مثل أن يكون دفء الرمال الناعمة مقابلاً لبرودة الطقس برغم اكتمال فبراير، وأن انصراف صاحبة الحانة عن مراقصة أحد الصيادين مقابل لبرودة تصدع بالشكوى منها إيلينا. ويكون ما يحدث نمواً يبدأ من ميل صاحبة الحانة لمراقصة الراوي. إلا أن هذاالنمو يخلق بدوره حالةً باديةً من التباين الذي يجعل ما يحدث منقسماً، وسوف يُقرأ لهذا على النحو الآتي:
 
1-مالت صاحبة الحانة لمراقصة الراوي.
2-حاول الراوي أن يمسك سمكة سامة في خياله
وصديقه حذره منها ثم انتشلها.
 3- وضعت صاحبة الحانة يديها على وجهها لتصنع قناعا.
4-أبحر صديق الراوي في عيني إيلينا.
5-ادعت إيلينا أنها غُشَت.
1- انزوى غراب في زاوية النافذة جائعا، يحاول اختراقها
2- صار الجو صحواً ورحل الغراب.
3- أعلنت إيلينا أنها فقدت قرطها.
4- ظهر من حديث الراوي وصديقه أنه وجد القرطولكنه صدئ ( وهذا ما تعلنه إيلينا بنفسها ).
5-واصل الغراب دق النافذة.
      هناك بالطبع أحاديث من زوج صاحبة الحانة، ومن صاحب إيلينا، وهي تتداخل مع الأحداث، ولذا سأغض النظر عنها، لكونها مجرد آثار للوقائع.
 
       و يغري كشف التقابل في الأحداث في تجربة هذين الجدولين بالمضي نحو التفكير في متابعة دلالية لعناصر النص. وتيسيراً لمحاولة العثور على أساس لإقامة نسق دلالي، تجدر العودة إلى ما أقحمه الراوي من تعليق على ما يدور حوله، على نحو يشبه الخروج على الانسياب العادي للأحداث، وفاعلية الشخصيات ضمن المكان الحقيقي. ويمكن التقاط حالتين، سيكون اختيارهما بناء على توفر شرطين :
 
2        أن كلاً منهما مرتبط بما يجري فعلاً (داخل ) الحانة، كونها مركز الأحداث الأصلي.
3        أن كلاً منهما يشكل خروجاً من الراوي ضمن واقع الحانة نفسها.
 
     لقد كان هناك خروج الراوي عن واقع الحانة إلى ما يتخيله، وهو الناقل له إلى واقع خارجها. ولكن ذلك لا يحمل الدلالة فحسب، بل مرتبط باشتراطات خارجية يحكمها إحالة الخروج الخيالي على واقعه نفسه، حيث الخليج، والرمال الدافئة، وسليم .. إذ تشكِّل هذه العناصر تركيباً خاصاً ينبغي أن يُفَسَر في مرآة الأحداث الأخرى التي تجري في الحانة، ولهذا سيكون التوقف مع الحالتين المذكورتين آنفاً على النحو الآتي:
4        عند التحدث عن الغراب وُصِف بأنه كان:صغيراً، أسود العنق، وكان جائعاً، يدق الزجاج بمنقاره في غيظ.
5        عندما ذََكرت صاحبة الحانة أنها مثل الزنجيات،علق الراوي بأن الغراب زنجي بلا قناع.
 
     والظاهر أن هذا قول موجه من نفس الراوي، إذ صاحبة الحانة لم ترد عليه، فالغراب يبدو في هذا التصوير أمراً يبصره الراوي وحده، أو هو على الأقل يعكس إحساسه الخاص به بمعزل عن الآخرين الموجودين في الحانة، وهذا الانفراد يدعم اختيار هذين الأمرين خروجاً عن السياق.
 
     وإذ وقع هذا الاختيار يجدر الانتباه إلى عناصر وصف الغراب:
 
1        أنه صغير. 2- اسود العنق. 3- تلهب رائحة السجق جوعه. 4- يدق الزجاج في غيظ.
 
وفي رؤية الراوي له يوصف بأنه: زنجي بلا قناع.
      وهكذا ستًستَخلص هذه الصفات في عناصر تكوين: صغير، اسود، جائع، بالإضافة إلى عنصر التصرف ( محاولة الدخول ). وإذ عُثِر على هذه الصفات، ستُستخدم دليلاً لاستكشاف النص ومحاولة التقاط ما يلائمها، وستظهر العناصر الآتية:
2        عند التحدث عن الراوي؛ يوصف بأنه زنجي مرة، وأنه لم يعد زنجياً (رهيبا ) مرة أخرى.
3        عند رحيل الراوي إلى خياله؛ يلاحظ سرطانات البحر ويصفها بأنها ) صغيرة ).
4        مقابل جوع الغراب لا يُعثر على جوع آخر، فالسجق يوجد في الحانة، ولم يظهر أن الراوي مفتقر له، ولكن هناك ما يقابل هذا الجوع، وهو الجوع الذي يرتفع التعبير عنه من إيلينا، أي الجنسي والعاطفي.
     ولا يذكر الراوي جوعاً صريحاً مقابلاً أو مماثلاً في حالته هو، ولكن رحيله إلى الخيال يمكن أن يومئ إلى جوع خاص به، وقد تمثلت عناصر رحيله في العثور على:دفء، ألفة،  صديق نصوح، الإفلاح في الإمساك بسمكة، ويمكن أن يسمى هذا على السطح اصطياداً- برغم ما يوحي به منطق السرد من كونه تخيلاً - ولكن يلزم ربطه بسياق النص الأصلي للعثور على مقابله، ولا يوجد بالحانة فعل اصطياد، إلا أن اقتحام إيلينا دائرة الراوي الشخصية وانهماكها في التلميح عن الحب واستثناء الراوي من البرودة، يجعل منها معادلاً للسمكة، ولكن هناك اقتراناً لفظياً أيضاً يجعل كون السمكة سامة مشتركاً مع كون صاحبة الحانة سامة أيضاً في تعبير زوجها المجازي. وهذا أمر يؤيده ما حدث من تقابل في الجدول السابق، في الترتيب (2) وهو ترتيب يدعو للتأمل: فالراوي يحاول أن يمسك بسمكة سامة، وينتشلها صديقه، ويلي مقابل ذلك أن الجو يصير صحواً ويرحل الغراب. وهذا ترابط ( انتشال السمكة فعلاً برغم كونها سامة ورحيل الغراب ) يربط إحساس الراوي الداخلي بالخارجي، وهو يبدو هنا إيجابيا. ولكن النصف الأول من المحاولة: أن يحاول الراوي الإمساك بسمكة، وميل صاحبة الحانة لمراقصته، وهي الموصوفة بالسامة يجعلها تقع في حدث متداخل، إذ زمن الحلم قد يكون متحداً، وتندرج في التأويل الأخير إيلينا، بما سيلوح من هجرها صديقها، وتأثير ذلك عليه.
، . وعلى هذا النحو يمكن التراجع لإعادة القارءة الدلالية:
فـ الغراب = الراوي.
وجوع الغراب = الجوع إلى الحب ( وهو قد رحل بعيداً عندما صار الجو صحوا ).
 
      وإذ يكون الطرف الأخير في المعادلة هو في الواقع أصل الحكاية، المحتوي على التطور، فإن غض النظر عن المعادل ألأول، يعطي النص وضوحاً في ما يُقترح أن يكون مغزى للنص بكامله، وهو الجوع إلى الحب، ويكون الراوي المثال المركزي له.
 
      ولاستكشاف النص في محاولة لمطابقة فكرة البحث عن الحب، يمكن أولاً تقصي مفردة (الحب ) حرفياً، ولا يُعثر عليها إلا في حديث إيلينا " الحب مضغة في الأفواه … ". لذا يمكن اقتراح " الدفء " تعبيراً آخر، خاصة مع ربطه بحديث إيلينا مصدر التعبير الحرفي، فهي تقول: " ما أقسى الشتاء والجليد … ". ويقابل هذا التعبير أن الراوي مركز السرد في الحكاية عندما يرحل -  بخياله -يجد أنه يوجد في منطقة ) الرمال الدافئة ) إذ الرحيل إلى الخيال تعويض عن الواقع. ولاختصار الطريق إلى مطابقة الفكرة: البحث عن الحب أو البحث عن الدفء،  سيجري عرض الأفعال مع أفعال مقابلة، والدلالات التي تحملها الأفعال تحت إضاءة المقابلة :
 
الفعل
دلالة الفعل
الفعل المقابل
دلالة الفعل المقابل
1- تجمع الصيادين.
 
 
2- شي مزيد من السجق
 
 
 
3- تنهمك صاحبة الحانة في غسل الأكواب.
 
 
4- يحاول الراوي تقليد الراقص .. بدق قدميه.
5- تحاول صاحبة الحانة تصنع قناع لوجهها.
 
6- تعلن إيلينا ضياع قرطها .. في حلبة الرقص.
7- يُكتَشف القرط .. ولكنه صدئ.
1- محاولة اكتساب الألفة .. أو الأنس
 
2- وفرة الطعام.
 
 
 
3- الوقت غير مناسب لرقصها.
 
 
4- محاولة للمماثلة.
 
5- عدم اكتفاء بهوية السطح الأصلية.
 
6- كارثة يمكن أن تقع أثناء الرقص بحثاً عن البهجة .. مشعرة بالخذلان.
 
7- يُكتشف محتوى الشكوى .. مصحوباً بزيف .
1-انفراد الغراب
 
 
2- تعبير الغراب عن جوعه بإلحاح.
 
 
3-يحاول صياد مراقصتها من الخلف.
 
 
4- تنغرس قدماه في الرمال.
5- لا يبدو أنها تلقى قبولاً من الراوي.
 
 6- يُبحث عن القرط بالإبحار في عينيها.
 
7- تدعي إيلينا أنها غُشَت.
1- الانفراد ليس خصيصة في الغراب .. فهو محجوز بالنافذة.
 
2- انصراف الحانة عن الغراب لأن جوع من بها مُشبَع.
3- افتقار إلى الود المتبادل الذي يجري في تقليد التواصل الجنسي الإنساني.
4- عودة إلى المنتمى الأصلي.
5- ما تقوله صاحبة الحانة لا يجذبه .. بينما يتعلق بأيلينا ربما لإطالتها التعبير عن الافتقار إلى الدفء والحب.
6- تعويض عن الإبحار الحقيقي بحثاً عن أي قنص، وهو بحث عن معنى أصيل كفيل بالاحتواء
 
7 - تمسك إيلينا بالادعاء .. قد يدل على جبنها عن الإقرار ، بينما يثير الشك بها كذلك.
 
 
 
 
باكتمال عرض محاولة الاستكشاف، سيُقرأ مفهوم الحب في ضوء الدلالات المعروضة في العمودين على النحو الآتي:
 
فعالية الدلالة ( 1 )
الناتج /  مغزى مكتسب
1- التجمع لاكتساب الألفة والأنس.
2- وفرة الطعام.
 
3- محاولة الرقص في وقت غير مناسب.
 
4- محاولة مماثلة فرد .. لغيره.
 
 
5- الإحساس بإفلاس السطح الأصلي.
 
6- خذلان حلبة الرقص.
 
7- ادعاء إيلينا.
 
1- العزلة مانع .. التجمع غير منتج للحب.
2- الانصراف عن الفرد المعزول تجعل الوفرة غير مؤدية للإشباع.
3- الرقص معادل لبحث عن الحب، ولكنه يحتاج إلى تساو.
4- الفشل ..العودة إلى منطقة داخلية .. في أعماق المقلد هي ما يجلب الحب.
 
5- التعويض غير المجدي .. لأن البديل سطح غير أصيل.
6- محاولة التعويض بالبحث عن الصدق.
 
7- استمرار الادعاء .. الطريق حتى الآن غير مفض للحب.
 
 
 
بالنظر إلى ما عُرض من نواتج سيُكتَشف أن معالجة الثانية للأولى تؤدي إلى اكتشاف فعالية (الحب ) فــ :
(التجمع ) و (وفرة الطعام للجميع ) و (الرقص المشترك- البحث عن الفرح) و (التواصل مع مصدر الحقيقة أو الصدق ) .. تؤدي إلى معادلات للبحث عن الحب، بينما يشكِّل الختام نقطة اصطدام: اكتشاف ادعاء إيلينا : استمرار الادعاء، فالنص يقول أن الحالة المعروضة تشهد تواصلاً لمحاولة فردية لخرق العزل.
 
يتبع
 

 ملاحظة: صورة الصادق أعلاه مأخوذة من الشبكة، وهي من مجموعة للفنان الأخ فتحي العريبي.
 
 
 
 
 
 

 

ملاحظة : تضم هذه الحلقة زيادة، كان من المفترض أن تكون هي الحلقة الثانية. وقد جرى تصحيح بعض ما ورد من أخطاء في الحلقة السابقة وجمع الأولى مع الثانية. 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر