
هل صحبة النقاد، والكينونة داخل الحياة الثقافية، والتشارك مع كائنات من ( الوسط الثقافي ) – كما يسمى – قاتلة أم خادمة للموهبة الأدبية؟!
في التاريخ الثقافي إجابات عن أحوال من هذا التشارك، ومن القدر الذي تصله أحياناً الحياة ضمن ( وسط ثقافي ) من الإيذاء، وأحياناً النفع.
فلو عدنا إلى الوراء، بقدر ما يمكن تذكره الآن، في إطار حياة الأدباء العرب، فإن هناك حياة مواهب أدبية مميزة تطل، من مطالع نهضة الأدب العربي، تلك النهضة التي شهدها العصر الأموي، بعد أن اجتاز العرب عصر حرصهم الشديد على ترسيخ الظاهرة الجديدة، ظاهرة القرآن ولغته ومستواه الأدبي العالي والنائي بروحه الداخلية عن منطلقات الشعر القديم، القائمة على وعي منغمس في النزوع العشائري، وما يمكن إباحته من خلال أفق التفكير القديم، واطمئنان النفس العربية إلى إمكان الجيشان من جديد بمواهب لها حيوية الحضور، والتنافس على التميز الفردي، والانخراط في الحياة الجديدة بوصفها دولة لها مطالب مختلفة، فإن أبرز المواهب الشعرية – مع تميزها – شرعت في الائتلاف مع مناخ يسمح بأن يسمم كل منها شعور الآخر، ويملأه بالضغينة، ويمتشق الشاعر في ذلك لسانه، مضافاً إليه انتماءه القبلي. وفيما ترحب القبيلة بانتصار شاعرها بها، تكون هذه الأداة سلاحاً باتراً بالفعل، أو مانعاً للقصور إذا تحلى الشاعر بمهارة الصوغ.
وهكذا فإن جريراً وقف ليلقي على الفرزدق قولته المشهورة، بعد أن تهيأ لها وكأنه يتهيأ لعرس : فغض الطرف إنك من نميرٍ .. فلا كعباً بلغت ولا كلابا حتى أن الفرزدق نفسه قال بعدها إنه تمنى أن الأرض انشقت وابتلعته.
إن هذا القول قد يثير سخرية شاعر من عصرنا، إذ إن الشاعر يلزمه أن يثبت شاعريته أولاً وأخيرا. ولكن الاعتزاز بالقبيلة قد يتخذ مظهراً مختلفا، ويصبح ضمير الجمع ( نا ) أداة عصرية يتخفى وراءها أدعياء الحداثة والشعر والقضايا العصرية.
وهذه الحرب بين الشعراء في العصر الأموي هي التي حفظت البيت المشهور أيضاً الذي جمع ثلاثة شعراء مهجوين في سلة واحدة
( أعددت للشعراء سما ناقعاً .. وسقيت آخرهم بكأس الأول )
( لما وضعتُ على الفرزدق ميسمي .. وضغا البعيث جدعتُ أنف الأخطلِ )
وفي زخم عطاء شعراء هذه الطليعة : الأخطل والفرزدق وجرير، فإن ناقداً مثل أبي عمرو بن العلاء، كان مترفعاً عن أن يلجأ إلى شعر أي من هؤلاء بوصفه حاوياً لشواهد، وظل شديد التحفظ وغير منفتح على مواهبهم، لأن المواهب الشعرية التي يمكن الاتكاء عليها - في شواهد النحو واللغة والجزالة.. هي ما ظهر في الجاهلية، حتى إنه قال قولة مشهورة في شأن الأخطل، أن هذا الشاعر لو شهد يوماً واحداً في الجاهلية لما قدم عليه أحدا. وهذا توجه نأى عنه من تلوه، ولكن حياة هؤلاء الشعراء كانت قد انتهت. لقد كان من حسن حظ أبي نواس أن لقي ناقداً مثل الجاحظ قدمه على شاعر جاهلي هو المهلهل في موازنة بين أرجوزتين. وعده أفضل من السابقين لأنه عرف من حياته ما لم يعرفوه.
وفي مجالس الشعر التالية من العصر العباسي، وحين شهدت دولة بني حمدان تلاقي عدد من ألمع أسماء الشعراء والنحاة، وعلماء اللغة، عاش ( أحمد أبو الطيب التنوخي ) أسوأ مناخ يمكن أن يحتفي بموهبته، لولا انتصار لقيه أثناء عيشه وبعد وفاته.
والغريب أن الشاعر المنافس له، الذي قيل إنه كان حاضراً مجلس سيف الدولة هو أبوفراس الحمداني العاشق والأمير والفارس وصاحب القصيدة التي تروى في عصرنا ويحبها حتى محبو أبي الطيب. ولكن المتنبي كان له نصير لغوي هو ابن جني وكان لوحده قادراً على رد دعاوىمثالب في اللغة عنه ( مثل إمكان اقتران فعل المقاربة كاد بأن ) بشواهد،وكان أبوالطيب بمعرفته باللغة ونحوها وبانتمائه إلى رحابة المدرسة الكوفية شديد الاعتداد بأن شعره لا يُمس من هذه الناحية.
إلا أن الإيغال في الغيرة منه دفعت خصومه إلى تسقط أمثلة مما يقول ونسبة أصولها إلى غيره،ولكن الدافع لذلك كان الغضب من أبي الطيب نفسه لتعاليه.
ولو رجعنا إلى شعر المتنبي لاكتشفنا أن قصائده كانت – في ألمع صورها – شواهد تجربة، وحالات احتراق ، ومواطن اختزان لذات استُدعيت في لحظة ما. وقد انفجر مرتين بالهجاء، فصنع واحدتين من ألمع قصائده، كانت إحداها عندما أحس بما سعى إليه أحد حاضري مجلس شعره، من محاولة إثبات زيف دعوى ارتجاله الشعر – وهي موهبة كان يعتد بها الشعراء في القديم -، وقد رحل أبو الطيب وهو ينشد قصيدة – علامة في تاريخه، وكان ملمح التميز الشعري فيها هو تلخيصها لرحلة ذاته المتفردة والمغتربة التي تتدرج في إحساسها بمواجهة العالم :
أعرّض للرماح الصم نحري .. وأنصب حُر وجهي للهجيرِ
وأسري في ظلام الليل وحدي .. كأني منه في قمرٍ منيرِ
مع تحولٍ يرمي إلى تذكر ما يلاقيه من عدم إدراك مبتغاه العالي:
فقل في حاجة لم ألق منها .. على شغفي بها شروى نقيرِ
ونفسٍ لا تطيع إلى خسيسٍ .. وعينٍ لا تدار على نظيرِ
وكفٍ لا تطاوع من أتاني .. ينازعني سوى شرفي وخيري
وقلة ناصرٍ جوزيت عني .. بشرٍ منك يا شر الدهور
عدوي كل شيء فيك حتى .. لخلتُ الأكم موغرةَ الصدورِ
إن هذه النقمة العارمة والإحساس بالتفر
المزيد